محمد جواد مغنية

233

في ظلال نهج البلاغة

( فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة ، والمنابذين العصاة ) . قد يخالفك عالم في رأيك الخاص لشبهة عرضت له ، فتتبادلان الحوار والنقاش حولها على المقاييس ، وقد يقنعك أو تقنعه ، أو يبقى كل على رأيه بلا غلظة وجفاء . . ويحدث هذا كثيرا بين أهل العلم ، اما أن يتعصب جاهل لرأيه ، ويفرضه عليك فرضا ، وان أبيت ثار وشتم ، وهدد وانتقم ، وكلما ازدادت حجتك صدقا ووضوحا ازداد شراسة وعنادا . . أما هذا فوحش كاسر ، ولا شيء فيه من الانسان وصفات الانسان . ويصدق هذا الوصف تمام الصدق على خصوم الإمام ( ع ) رفضوا رأيه في حرب صفين ، وأصروا على وقف القتال ضد معاوية ، وعلى أبي موسى ليسوي الخلاف . . قال لهم الإمام ( ع ) : لا تصدقوا معاوية في رفع المصاحف ، فعاندوا . . وانتدب ابن عباس للتحكيم فعصوا . . عرض عليهم الأشتر فنفروا . . وقال لهم : هذا الأحنف بن قيس فأعرضوا . . الا الأشعري المخدوع . وكان ما كان . . وإذن من حق الإمام ( ع ) وحق التاريخ أن يصفهم بالجفاة والمنابذين . . وقد حكم عليهم بأكثر من ذلك . ولطه حسين رأي في هذا التمرد والجفاء عرضه في كتاب « علي وبنوه » ، وهذا الرأي يلقي الضوء على السبب المباشر لإصرارهم على الأشعري ، ونقطف من أقواله ما يلي : « أكبر الظن ان بعض الرؤساء من أصحاب علي كانوا أصحاب دنيا لا أصحاب دين ، وكانوا يندمون على تلك الأيام الهينة اللينة التي قضوها أيام عثمان ينعمون بالصلات والجوائز . . وأيضا كان في جيش عليّ بصفين كثير من أهل البصرة الذين حاربوه يوم الجمل ، وانهزموا بعد مقتل طلحة والزبير . واذن كان في أصحاب علي المخلص والمدخول . . ولا أستبعد ان قيس بن أشعث قد تآمر مع ابن العاص على ايقاع الفرقة بين أصحاب علي ، وقد تم ما أراد الاثنان . . واستكره الأشعث ومن طاوعه - عليا على كف القتال ، فلم ير بدا من الإذعان . . ولم تأت الأمور مصادفة ، بل عن ائتمار وتدبير بين طلاب الدنيا من أصحاب علي وأصحاب معاوية جميعا » . ومنطق الحوادث يؤيد رأي الدكتور طه حسين ، فإن الناس مع الدنيا وخضرتها ، وهي عند معاوية ، ولا شيء عند الإمام إلا الدين ، فمالوا عنه إلى معاوية ، واحتلبوا دنياه بدينهم ، وأطاعوا المخلوق في معصية الخالق .